الشيخ الطوسي

58

التبيان في تفسير القرآن

وقوله " ألا بعدا لمدين " دعاء عليهم بانتفاء الرحمة عنهم كما أهلك الله تعالى ثمود ، فلم يرحمهم ، وجعل انتفاء الرحمة بعدا من الرحمة ، لأنه أظهر فيما يتصور فكأنهم يرونها حسرة لأنها لا تصل إليهم منها منفعة لما يحصلون عليه من مضرة الحسرة ، و ( كأن ) هذه يحتمل أن تكون مخففة من الثقيلة على أن يضمر فيها ، كالاضمار في ( ان ) من قوله " وآخر دعواهم ان الحمد لله رب العالمين " ( 1 ) ويجوز أن تكون ( ان ) التي تنصب الفعل بمعنى المصدر . وبعدت وبعدت بالكسر والضم لغتان . وكانت العرب تذهب بالرفع إلى التباعد ، وبالكسر إلى الدعاء ، وهما واحدا . وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي كما بعدت بضم العين . والآخر بعدا فنصب على المصدر ، وتقديره ألا أهلكهم الله فبعدوا بعدا . قوله تعالى : ( ولقد أرسلنا موسى بآياتنا وسلطان مبين ( 97 ) إلى فرعون وملائه فاتبعوا أمر فرعون وما أمر فرعون برشيد ) ( 98 ) آيتان بلا خلاف . اخبر الله تعالى واقسم انه ارسل موسى نبيا بالآيات ، وهي الحجج والمعجزات الدالة على نبوته " وسلطان مبين " اي وحجة ظاهرة مخلصة من تلبيس وتمويه ، على أتم ما يمكن فيه . والسلطان والآيات إن كان معناهما الحجج ، فأنما عطف إحداهما على الأخرى ، لاختلاف اللفظ ، ولان معناهما مختلف ، لان الآيات حجج من وجه الاعتبار العظيم بها ، والسلطان من جهة القوة العظيمة على المبطل ، وكل علم له حجة يقهر بها شبهة من نازعه من أهل الباطل تشبهه ، فله سلطان . وقد قيل إن سلطان الحجة انفذ من سلطان المملكة ، والسلطان متى كان محقا حجة

--> ( 1 ) سورة يونس آية . 1 .